صديق الحسيني القنوجي البخاري
9
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَتِلْكَ أي الأحكام المذكورة في الظهار والكفارة حُدُودُ اللَّهِ فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم ، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية ، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة وَلِلْكافِرِينَ الذين لا يقفون عند حدود اللّه ، ولا يعلمون بما حده اللّه لعباده ، وسماه كفرا تغليظا وتشديدا عَذابٌ أَلِيمٌ وهو عذاب جهنم يوم القيامة ، ولما ذكر سبحانه المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين فقال : [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 5 إلى 7 ] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 5 ) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 6 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 7 ) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ المحادة المشاقة والمعاداة والمخالفة ومثل قوله : « إن الذين يشاقون اللّه ورسوله » قال الزجاج : المحادة أن تكون في حد يخالف صاحبك ، فهي كناية عن المعاداة لكونها لازمة لها ، وأصلها الممانعة ، ومنه الحديد ، ومنه الحداد للبواب ، والمحادون هم أهل مكة ، فإن هذه الآية وردت في غزوة الأحزاب وهي في السنة الرابعة وقيل : في الخامسة والمقصود منها البشارة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بأن أعداءهم المتحزبين القادمين عليهم . كُبِتُوا أي يكبتوا ويذلوا ويتفرق جمعهم ، وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي ، تنبيها على تحقيق وقوعه ، وقيل : المعنى على الماضي وذلك ما وقع للمشركين يوم بدر ، فإن اللّه كبتهم بالقتل والأسر والقهر كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي أذلوا وأخزوا ، يقال : كبت اللّه فلانا إذا أذله ، والمردود بالذل يقال له : مكبوت ، قال المقاتلان : أخزوا كما أخزي الذين من قبلهم من أهل الشرك ، وكذا قال قتادة وقال أبو عبيدة والأخفش : أهلكوا ، وقال ابن زيد : عذبوا ، وقال السدي : لعنوا وقال الفراء : أغيظوا يوم الخندق ، والمراد بمن قبلهم كفار الأمم الماضية المعادين لرسل اللّه . وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ أي والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد اللّه ورسله من الأمم المتقدمة وقيل المراد الفرائض التي أنزلها اللّه سبحانه وقيل هي المعجزات الدالة على صدق الرسول وَلِلْكافِرِينَ بكل ما يجب الإيمان فتدخل الآيات المذكورة هنا دخولا أوليا عَذابٌ مُهِينٌ يهين صاحبه ويذله ويذهب بعزه . يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً أي يذكر يوم يبعثهم مجتمعين في حالة واحدة أو يبعثهم كلهم لا يبقى منهم أحد غير مبعوث فَيُنَبِّئُهُمْ أي فيخبرهم بِما عَمِلُوا